القرطبي
169
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وجواب العالم في اختصاره واستيفائه ، ولذلك قال علماء الصوفية : إن فائدة قوله : " ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما " [ يوسف : 22 ] إنما أعطاه ذلك إبان غلبة الشهوة لتكون له سببا للعصمة . قلت : وإذا تقررت عصمته وبراءته بثناء الله تعالى عليه فلا يصح ما قال مصعب بن عثمان : إن سليمان بن يسار كان من أحسن الناس وجها ، فاشتاقته امرأة فسامته نفسها فامتنع عليها وذكرها ، فقالت : إن لم تفعل لأشهرنك ، فخرج وتركها ، فرأى في منامه يوسف الصديق عليه السلام جالسا فقال : أنت يوسف ؟ فقال : أنا يوسف الذي هممت ، وأنت سليمان الذي لم تهم ؟ ! فإن هذا يقتضي أن تكون درجة الولاية أرفع من درجة النبوة وهو محال ، ولو قدرنا يوسف غير نبي فدرجته الولاية ، فيكون محفوظا كهو ، ولو غلقت على سليمان الأبواب ، وروجع في المقال والخطاب ، والكلام والجواب مع طول الصحبة لخيف عليه الفتنة ، وعظيم المحنة ، والله أعلم . قوله تعالى : ( لولا أن رأى برهان ربه ) [ " أن " في موضع رفع أي لولا رؤية برهان ربه ] ( 1 ) والجواب محذوف لعلم السامع ، أي لكان ما كان . وهذا البرهان غير مذكور في القرآن ، فروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن زليخاء قامت إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في زاوية البيت فسترته بثوب ، فقال : ما تصنعين ؟ قالت : أستحي من إلهي هذا أن يراني في ( 2 ) هذه الصورة ، فقال يوسف : أنا أولى أن أستحي من الله ، وهذا أحسن ما قيل فيه ، لأن فيه إقامة الدليل . وقيل : رأى مكتوبا في سقف البيت " ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا " ( 3 ) [ الإسراء : 32 ] . وقال ( 4 ) ابن عباس : بدت كف مكتوب عليها " وإن عليكم لحافظين " ( 5 ) [ الانفطار : 10 ] وقال قوم : تذكر عهد . الله وميثاقه . وقيل : نودي يا يوسف ! أنت مكتوب في [ ديوان ] ( 6 ) الأنبياء وتعمل عمل السفهاء ؟ ! وقيل : رأى صورة يعقوب على الجدران عاضا على أنملته يتوعده فسكن ، وخرجت شهوته من أنامله ، قال قتادة ومجاهد والحسن والضحاك وأبو صالح وسعيد بن جبير . وروى الأعمش عن مجاهد قال : حل سراويله فتمثل له يعقوب ، وقال له :
--> ( 1 ) من ع ، ك . ( 2 ) في ع وك : على . ( 3 ) راجع ج 10 ص 253 . ( 4 ) في ع : وعن . ( 5 ) راجع ج 19 ص 245 . ( 6 ) من ع .